حين يصبح المربي هدفاً للتهكم… فمن يحرس مستقبل الوطن؟

٢٠ نوفمبر ٢٠٢٥

بقلم: أمين الكردودي

لم يكن الفيديو الذي ظهر فيه ما يُعرَف بـ “عبد الإله مول الحوت” وهو يسخر من أستاذه مجرد واقعة عابرة أو “ترند” فاقد للمعنى بل كان صفعة قوية لضمير مجتمع ما زال يردد أنه يقدّر العلم وأهله تلك اللحظة العابرة التي هزّت المغاربة ليست مجرد سلوك فردي شاذ بل مرآة لخلل قيمي آخذ في التوسع حتى بات يهدد هيبة المدرسة المغربية ورمزيتها.

ما ظهر في الفيديو لم يكن مواجهة بين شاب متباهٍ بسيارته الفارهة وأستاذ بسيط بل كان مواجهة صامتة بين زيف الواجهة و عمق الرسالة… بين من يفاخر بماله ومن بنى أشخاصاً وأجيالاً كانت المفارقة فاضحة: رجلٌ أمضى سنوات عمره يصنع العقول يُسخَر منه فقط لأنه لا يقود سيارة بملايين وكأن القيمة تُقاس بالممتلكات لا بما يخلّفه الإنسان في هذا الوطن.

الأخطر من السلوك نفسه هو تصفيق بعض المتابعين له فحين تتحول الإهانة إلى “محتوى ممتع” والرداءة إلى “بطولة” فنحن أمام أزمة ليست في الأفراد بل في الهوية الأخلاقية لجيل تُغذيه السطحية وتخدّره البهرجة.

حقوقيون اعتبروا أن ما وقع يدخل في خانة التشهير والتنمر الرقمي وهي جرائم يعاقب عليها القانون ولكن رغم ذلك لم نرَ موقفاً صارماً من الجهات المعنية لا نقابات خرجت للدفاع عن كرامة رجال التعليم ولا وزارة أصدرت بياناً يليق بحجم الإساءة ولا مؤسسات حقوقية اعتبرت المعلم خطاً أحمر وكأن كرامة المربي أمر ثانوي وكأن الإهانة لا تستحق أكثر من استياء صامت.

ولو كان المستهدف شخصية نافذة أو موظفاً سامياً لقامت الدنيا ولم تقعد لكن حين تكون الإهانة موجهة لأستاذ تمرّ الواقعة بهدوء… لأننا بتنا للأسف ننظر إلى المربي كـ “رقم إداري” لا كركيزة وطنية.

هذه ليست حادثة معزولة بل مؤشر خطير على تراجع قيمة المعلم في مجتمع لا يمكنه أن ينهض من دون مدرسة قوية وهيئة تربوية محصّنة فالدول التي سمحت بإهانة المربي أعلنت سقوطها الأخلاقي قبل سقوطها التنموي والدول التي نهضت جعلت من المعلم رمزاً وطنياً مقدّساً لا يُمس.

اليوم المغرب بحاجة إلى إصلاح أعمق من البرامج والمناهج نحن بحاجة إلى إصلاح قيمي ومؤسساتي يعيد الاعتبار للمربي ويضع كرامته في صلب السياسات العمومية فالمدرسة ليست بنايات بل رجال ونساء يحملون رسالة وإذا سقطت هيبتهم سقط معها كل رهان تنموي.

لا مستقبل لوطن لا يحمي من يصنع مستقبله.
ولا نهضة في بلد تُهان فيه أيدي من تبني العقول.

فمن يحمي كرامة رجل التعليم؟
وإلى متى سيظل المربي آخر من يُدافع عنه في وطن يحتاجه أولاً؟